في هذه المرحلة الدقيقة، أصبح من الضروري التساؤل حول مستقبل العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، والصين والولايات المتحدة، وروسيا والولايات المتحدة، مع بذل جهد مكثف لاستخلاص استنتاجات دقيقة. فقد شهدت الهياكل التقليدية والمؤسسات العالمية تآكلًا مستمرًا منذ فترة طويلة، مما أفقدها فعاليتها. إلا أن وصول دونالد ترامب إلى السلطة جعل هذا “التفكك” يتحول إلى عملية زلزالية تسارعت وتيرتها.
على وجه التحديد، يثير التدهور غير المسبوق في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا منذ الحرب العالمية الثانية تساؤلات جدية حول مستقبل القارة الأوروبية. فهل نشهد نهاية حقبة طويلة من الهيمنة الاستعمارية التقليدية التي امتدت لخمسة قرون؟ وهل يُمكن أن يكون هذا إيذانًا بمرحلة جديدة من الفوضى في أوروبا؟
من سيملأ الفراغ؟ كيف سيتم تقاسم أوكرانيا؟
نحن نرى هذا الوضع على أنه “إقليميّة الولايات المتحدة”، حيث إن واشنطن تنسحب من جميع الهياكل العالمية العليا، بل يجري حتى الحديث عن إمكانية تخليها عن الناتو. ومع ذلك، لا نعلم بعد كيف سيؤثر هذا الانسحاب الأميركي على تشكيل النظام العالمي الجديد.
لا يمكننا التنبؤ بدقة بكيفية ملء هذا الفراغ، ولا بكيفية تأثير الحسابات الجيوسياسية لكلٍّ من الصين وروسيا وتركيا وألمانيا والهند على موازين القوى بوصفها “قوى إقليمية عظمى”.
في جنوب تركيا، انتهت الحرب في سوريا، ومن الممكن أن تنتهي الحرب في أوكرانيا شمالًا أيضًا. فترامب وبوتين سيجتمعان في السعودية للتفاوض حول ذلك، مع إبقاء أوروبا خارج المعادلة. وهذا يعني، عمليًّا، أن البلدين سيتقاسمان أوكرانيا، حيث ستصبح المناطق التي احتلتها روسيا رسميًّا تحت سيطرتها، فيما ستسعى الولايات المتحدة لاستيفاء مستحقاتها عبر الاستحواذ على موارد أوكرانيا.
موقف تركيا من خطة ترامب بشأن غزة
لماذا تضحي تركيا من أجل أوروبا؟
لكن، لماذا على تركيا أن تدافع عن أوروبا؟ لماذا عليها القيام بذلك؟ بينما تسعى إلى بناء مستقبلها الخاص ضمن جغرافيتها، وترسم خريطة شراكات تمتد من شرق إفريقيا إلى آسيا الوسطى، لماذا عليها أن تضحّي بهذا المشروع الكبير من أجل الدفاع عن أوروبا؟
لماذا عليها أن تعيد حبس نفسها مرة أخرى ضمن المصالح الأنانية لأوروبا؟ لماذا تخاطر بالقوة التي بنتها في مواجهة الولايات المتحدة؟ هل يمكن لتركيا أن تنسى عقودًا من نظرة أوروبا الاستعلائية تجاهها؟
تركيا تتجه نحو العولمة… وأوروبا تنكمش نحو المحلية!
في الوقت الذي تشهد فيه تركيا نموًا متسارعًا مقابل انكماش أوروبا، ومع بروز محور تركي مستقل في مقابل تقلص الدور الأوروبي إلى نطاق قاري محدود، وفي ظل عالم تزداد فيه تركيا حضورًا على الساحة الدولية بينما تنكفئ أوروبا على ذاتها، فإن الذاكرة المؤسسية للدولة التركية، وما تحمله من عقلية إمبراطورية، لن تنساق وراء المتغيرات اليومية، ولن تقع في هذا الخطأ. ففي مرحلة يُعاد فيها تشكيل التاريخ بعد قرن من الزمان، لن ترضخ تركيا لليأس الأوروبي.
كان ينبغي للنخب السياسية الأوروبية أن تدرك أن هذا اليوم قادم. وكان على الساسة الألمان أن يستوعبوا أن التاريخ يعيد نفسه مجددًا. لكن غرورهم أعمى بصيرتهم، فلم يتمكنوا من فهم خريطة القوة الجديدة التي تتشكل في العالم.
الحسابات السياسية الداخلية في تركيا ستنهار.. بعض القوى ستفقد الدعم
لم تتضح بعد انعكاسات “تحركات ترامب” داخل الولايات المتحدة أو في العالم. في الوقت الحالي، ينصب التركيز على كيفية وقف كارثة “التطهير العرقي في غزة”، وهو ما نتابعه من خلال حالة الاستنفار في مصر والأردن والسعودية. ومع ذلك، فإن طبيعة العلاقات الجديدة بين القوى العظمى قد تؤدي إلى زلازل سياسية كبرى في المنطقة.
هناك جانب لم يُسلَّط عليه الضوء بشكل كافٍ، وهو أن هذا التحول الجديد قد يؤثر بعمق على التوجهات السياسية الداخلية في تركيا. فمن الممكن أن تنهار البُنى السياسية، والكوادر المدعومة من الولايات المتحدة وأوروبا، وتتعطل المخططات السياسية المتعلقة بالانتخابات المقبلة.
قد تجد بعض القوى نفسها بلا سند، وقد يصبح الطريق مسدودًا أمام الأجندات والهياكل التي رُوّج لها على أنها “مدنية”، خصوصًا في ظل تراجع الاهتمام بقضايا الديمقراطية وحرية التعبير في هذه المرحلة.
تفكيك “الدوائر الوصائية” داخل تركيا… تغييرات واسعة في المشهد الدولي
تركيا والعالم يدخلان مرحلة جديدة من التفاوضات. لن تسمح أي دولة بوجود آليات “الوصاية” داخلها في عصر “الدول المهيمنة”. وبينما تشهد الولايات المتحدة حملة تطهير واسعة ضد الأجهزة الوصائية فيها، قد تشهد تركيا والعديد من الدول الأخرى عمليات مشابهة.
بل إن الأمر لم يعد يقتصر على تفكيك الآليات الوصائية الداخلية، بل إن “الوصاية العالمية العليا” نفسها بدأت في الانهيار. على سبيل المثال، ما حدث في مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي كان أحد أدوات السيطرة على أوروبا خلال الحرب الباردة، وانتهى بخلافات حادة بين الولايات المتحدة وألمانيا، مجرد نموذج لما هو قادم. وسنشهد في المستقبل القريب أمثلة أكثر درامية على هذا التحول.
الصمت الأميركي تجاه تركيا في استراتيجية ترامب…
مهما حاول ترامب، فإن قوة الولايات المتحدة أقل بكثير مما تتخيله واشنطن. العالم يدرك ذلك، والصين تدرك ذلك، وتركيا أيضا. الجميع يترقب بصبر ليرى إلى أين ستمتد تداعيات هذه التحولات. وحتى الآن، لم تظهر أي ردود فعل، لكنها حتمًا ستظهر في الوقت المناسب.
بالرغم مواقف ترامب التصعيدية تجاه روسيا وأوروبا والصين، فإن صمته تجاه تركيا يثير الانتباه. هذا الصمت يحمل في طياته الكثير من الاحتمالات، وقد تتضح الأمور بشكل كامل بعد ذلك.