الغزل السياسي المتبادل بين دمشق وأنقرة، حيال رغبتهما بتذليل العقبات المانعة لإعادة العلاقات بينهما وإصلاحها، اعطى للكثيرين إنطباعاً بأن هناك رغبة مشتركة لتحريك المياه الراكدة في مسار العلاقات السورية التركية. هو انطباع يستمد قوته من عوامل ثلاث، فُرضت جراء طبيعة وماهية الصراع السوري. كما أن المتغيرات الإقليمية والدولية المؤثرة والفاعلة في الملف السوري، أعطت زخماً أكبر حيال وضع تصورات لجهة إحياء مسار إعادة العلاقات السورية التركية.
أولى هذه الإنطباعات بأن العراق قد تبنى مسار رعاية الحوار السوري التركي، ومحاولة هندسة وقائع تُعيد العلاقات السورية التركية بما يحقق حالة من الإستقرار في المنطقة، وثانيها بأن الإنتخابات الرئاسية المرتقبة في الولايات المتحدة، قد تُعيد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وبطبيعة الحال سيكون لذلك تأثيرات على الواقع السوري في ما يتعلق بمقاربة الحل السياسي، وثالثها بأن لدى دمشق وأنقرة هاجساً حيال مناطق شرق الفرات، خاصة أن وحدات حماية الشعب الكردية بصدد إجراء انتخابات المجالس المحلية، الأمر الذي يشكل عامل ضغط سياسي على تركيا وسوريا على السواء.
الإنطباعات السابقة أنتجت ظروفاً موضوعية لأنقرة ودمشق، في ما يتعلق بإبداء الرغبات لإعادة العلاقات بين البلدين، ولكل طرف في هذا الإطار مزايا ومكاسب يتطلعان إليها من خلال الشروع في عملية التطبيع. وبين المزايا والمكاسب، فإن أنقرة تسعى من خلال إعادة علاقاتها مع دمشق، إلى توسيع استراتيجيتها الجديدة في مكافحة الحالة الكردية في سوريا والعراق، وذلك من خلال إشراك بغداد ودمشق في هذه الاستراتيجية، بينما تتطلع دمشق إلى استثمار الهاجس التركي من مشروع الوحدات الكردية من أجل دفع أنقرة إلى إظهار الإلتزام الصريح بسحب قواتها من شمال سوريا، وممارسة نفوذها على المعارضة السورية لإجبارها على الانخراط في “مصالحة وتسوية” مع دمشق، تكون بديلاً عن مشروع التسوية السياسية للصراع وتطبيق القرار 2254، فضلاً عن الحصول على مكاسب فورية، على غرار عودة سيطرة الدولة السورية في المعابر الحدودية وفتح الطريق الدولي “M4″، الذي يربط بين مُحافظتي حلب واللاذقية.
بهذا المعنى، فإن حالة الغزل السياسي بين دمشق وأنقرة، لم تُبنى على قناعات سياسية واضحة، بل ثمة إندفاعة من قبل البلدين، للحصول على أوراق ذهبية تُجيز لهم الإستثمار بحسب مصالحهم، وفي المقابل وعلى الرغم من الرسائل المتبادلة بين أنقرة ودمشق، والتي تتمحور حول رغبتهما في إعادة تطبيع العلاقات الدبلوماسية، إلا أن هناك قناعة راسخة باستحالة الوصول إلى علاقات كاملة في المدى المنظور، وذلك لإعتبارات عديدة يمكن إيجازها بالآتي:
أولاً- إعادة العلاقات السورية التركية لا يمكن أن تتحقق في ظل الوجود العسكري التركي في سوريا، كما أن دمشق لا يمكن أن تتخلى عن شرطها المُعلن بإنسحاب تركي كامل من الجغرافية السورية، أو وضع جدول زمني لهذا الانسحاب، وهذا ما لا يمكن أن تقبل به تركيا في الوقت الراهن.
ثانياً- دمشق ورغم ما تضعه من شروط مسبقة، إلا أنها لا تملك في الوقت الراهن القدرة ولا الرغبة في استعادة السيطرة على المناطق التي تُديرها تركيا في الشمال السوري، خاصة أن استعادة السيطرة على تلك المناطق، تفرض تكاليف عسكرية واقتصادية لإدارتها.
ثالثاً- بالنظر إلى مناطق سيطرة تركيا، فإن هناك بيئة ترفض العودة إلى سيطرة دمشق؛ نتيجة لذلك سيبقى المشهد في تلك المناطق حال إعادة سيطرة دمشق عليها متوتراً، الأمر الذي سيجلب لسلطة دمشق مخاطر التورط في مواجهة حالة من التمرّد طويلة الأمد، وهذا ما لا تريده دمشق، ولا تقوى بالتوازي على تحمل تبعياته.
ثمة تساؤل لدى الكثيرين حيال مبررات إعادة العلاقات السورية التركية في ظل ما سبق من معطيات. هذا التساؤل تحكمه مزايا تبحث عنها دمشق وأنقرة على السواء. فدمشق تنظر إلى التطبيع السياسي مع أنقرة، على أنه إنفتاح جديد عليها، وذلك على شاكلة الإنفتاح العربي والخليجي الذي لم يحقق أي مزايا سياسية أو حتى إقتصادية. فبعد تسونامي إعادة العلاقات السورية العربية الخليجية، وما تبعه من سرديات الانتصار والعودة صاغرين إلى دمشق، شهدت تلك العلاقات جموداً سياسياً. لكن مع تركيا ثمة ناحية تحاول دمشق استثمارها بالمطلق، فتركيا هي الوحيدة التي لا تزال تدعم المعارضة السورية، وتراهن دمشق في هذا الإطار على إحداث تحول كبير في الملف السوري، يُجنبها مفاعيل القرار الأممي 2254.
أنقرة بدورها تجد في إعادة العلاقات مع دمشق، هامشاً لتوسيع أهدافها في سوريا، وتحديداً في ما يتعلق بتقويض تأثيرات الحالة الكردية عليها، وإجبار الولايات المتحدة على تغيير استراتيجيتها حيال ملف الوحدات الكردية. إلا أن إعادة العلاقات مع دمشق سيفرض على أنقرة مقاربة جديدة في الملف السوري، ما سيجعلها تخسر نقاط قوتها الرئيسية حيال دورها في الجغرافية السورية، والمتمثلة في حضورها العسكري القوي وعلاقتها بالبيئة السورية الحاضنة لها.
تركيا وخلال الأيام الماضية قد قرأت بتمعن حالة الصدامات الأخيرة بين جيشها ومُسلحين تابعين لها، الأمر الذي أعطى أنقرة لمحةً عن المخاطر الكبيرة المُحيطة بنفوذ تركيا في الشمال السوري نتيجةً لانعطافتها نحو دمشق. نتيجة لذلك فإن تركيا لا يُتوقع أن تتخلى عن مبادئها العريضة لسياساتها الجديدة في سوريا، ولا يمكن أن تُفاوض دمشق قبل تحقيق أهدافها العريضة الثلاثة، والمتمثلة في معالجة هواجسها من مشروع الحكم الذاتي للوحدات الكردية، وإعادة اللاجئين السوريين، وتحديد عناوين الحل السياسي للصراع في سوريا.
ما سبق يفرض عدم الإفراط في الرهان على عودة العلاقات السورية التركية، وما يمكن أن تُحققه من فرص في سوريا. كما أن دمشق وأنقرة على السواء، يتطلعون من خلال إعادة العلاقات بينهما إلى جُملة من المكاسب، والتي يبدو أنها غير واقعية إذا ما تم النظر عميقاً في تعقيدات وتشابكات الملف السوري، وبين هذا وذاك، فإن مبدأ المساومات سيهيمن وبقوة على المسار التفاوضي بين تركيا وسوريا، وبالتالي فإن القدرة على إنجاح المسار التفاوضي تتوقف على مدى استعداد كلّ طرف لتقديم ما يحتاجه الآخر منه. وما يبدو واضحاً بأن تركيا لن تتخلى عن نفوذها العسكري والإداري في مناطق الشمال السوري، كما أن دمشق لا تملك أدوات إنتاج مشهد سياسي أو عسكري جديد، يمكنها من فرض توازن قوى في الجغرافية السورية.